هيروين

مَن هو المُدمِن؟

أهو انسان مِثلنا أم عبدٌ لشيء لا يملك سيطرةً عليه، أهو هاربٌ مِن أتعاب واقعه أم مجرد شخص مُنهز سهل الانجرار إلى عالم بعيد عن واقعنا؟

ولكنني أدمنتُ الهرب ولم يعُد بالامكان تحمّل العودة إلى سجني البارد والرطب، ألا يحَقّ لي المُغادرة إن لم أرغب أنا بجسدي؟

يجدر لأحدهم أن يبحث عني الآن ولكن لا أرى شخصًا واحدًا، يجدر بأحدٍ أن يفتح الباب الذي أتركه مفتوحًا بإهمال على أمل أن يكشِف أحدهم أمري ويُغيثني. انتظرتُ منذ خمسة أعوام ولا زلتُ أفعل.

أجلِسُ على ارضية الغرفة الحارة التي أهرب إليها كلما وددتُ الانفصال عن بدني. جسدٌ ذائب وما يزال القلب ذو حواجزَ مِن جليد. القلب الذي سئمتُ حمله الثقيل، القلب الذي تمنّيتُ أن يُمسِك عن ضخ الدم الحارق مروره، القلب الذي حاولتُ مرة أن أخرسه.

في يَدي اليُسرى حُقنة أُحدّقُ بها بجفاء. لا ادع اليد اليُمنى تحقنها؛ اذ اعتدت أن تكون اليُسرى هي مَنبع الشر لسببٍ أجهله. ترجِفُ يدي ولكن تستمر الحقنة بإرضاخي وتُعيد عَليّ ذكريات لِقاءنا.

 

 〰

كنتُ أتألم لدرجة التلوي، رغبتُ بمغادرة الجحيم و لو للحظه. رغبتُ الذهاب إلى عالمي الآخر كُليا، أردتُ الولوج إلى خيالي لِيكون حقيقه؛ لذا لجأتُ اليه. في المرة الأولى كانَ في شرابي مع قُرصي المنوّم الذي فقد وظيفته علَيّ منذ زمن، شربته وبعدها نِمتُ كالميّت الحالم، كان نومًا عميقًا والحلم كان كالواقع. بعدها فضلت استنشاقه على شربه لسرعة المفعول؛ فكنت أفعلها كل مرة لِذتُ فيها بالفرار، لكن لم أكن سأحقِنه يومًا.. هذا ما ظننته. ولكن عندما حقنته؛ أحببتُه جدًا! كان يجري في عُروقي و يُدفئها لترتخي عضلات جسدي. كنتُ أشعر برعشةٍ تبدأُ مِن أطراف قدمي لتصعد إلى الأعلى فتحملُ معها حواسي، لم أكن أشعر بِشيء؛ لكن كان ذلك كافيا بمنحي أقصى أنواع الراحة التي أردتُها. كان دافئًا و سلِسًا يجري بخفة بين شراييني، لكنه في الواقع لم يكن يجري؛ بل كان يزحف بِبطء. هو لا يحب الاستعجال لأنه يحب استهلاكي ببطء. ولهذا السبب احببته؛ فرغبته بقتلي البطيء تشابه رغبتي في الاختفاء السلس من حياة الآخرين ثم أخيرا من حياتي.


أدمنتُ الخدر وليس المُخدِّر، أوَليس ذلك بعيدًا عن الإدمان؟

في النهاية؛ هيروين هو المادة التي صُنِع منها مفتاح خيالي، والحُقنة هي التي أتجرّعها للوُلوج إليه. ذكريات لِقاءنا هي مُجرد شُعور ابتكرته لانجو مِن ألمي مجهول المصدر. مُخدِّري هو خيالي ووَسيلتي إليه هو سُباتي السحيق.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحقيقة

بَحر