بَحر
صريرُ رياح يجد طريقه بعكس مسار سفينةٍ قد توسطت البحر، الليلُ يغشاها ويتوسد المحيط حولها، على سطحها أقام شاب صلاة الليل والناسُ نيام، الصمت قد ارتدى ركابها وصبّ القليل منه على البحرِ حالك السوادِ الذي يطفو عليه الجميع.
في
الليل وفي البحر هُنا، الصمت يغلب كل صوت، والهدوء هو من يُسمع له فقط. كانت الريح
وحدها من تتكلم، تقول: يا بحار تهيجي ويا ركاب اخشوني. كانت تصرخ ولكن وحده الموج
من كان يسمع ويجيب. خشوع الشاب كان بحدة الرياح، وكانه قد تحدى العالم أن يُهبطه
من سماء الرحمن، كان يشعر بجسده يطفو على السحب وليس الماء، كان يشعر بالفراغ وهو
يتخذ من الجمادات شكلًا له. السفينه والبحر والثياب والطعام وكل شيء آخر حوله، كله
فراغ عديم المعنى بالنسبة لقلبه الممتلئ بخشية الله. أنهى الصلاة ولكن لايزال قلبه
متعلقّا بين السحب، نظر حوله وتأمل كف يده وهو مرفوع لله، ماذا أطلب يا اله، كيف
أتكلم ولم يسمعني أحد من قبل، كيف أفرغ وجعي كله الآن بينما تجرعته لسنوات. اكتفى
بتنهيدة آملًا أن تأخذ كل جوارحه معها وتعود في وقت لاحق مُشبعة بحُب الحياة.
بعد ساعات، ترتسم لوحة على السماء، والشمس
تتهيأ لتعم العالم بالدفئ والضوء. تزامنًا مع صعودها، تتسابق معها رياح الأمس
بصرير أكثر ضراوة من الليل، كانت معركة. الريح اتخذت من السحب جنودًا لها وفي
المقابل تقف الشمس بشموخ وهي لا تملك الا وهجها الحارق. تعوي الرياح في وجه السحب
لمحاصرة الشمس وتقييدها بينما تزداد الشمس توهجا وتحرق كل من حولها. كانت معركة في
السماء وبقايا الحرب تسقط على الارض. انتصرت السحب وتجمعت مُحتفلة بنصرها الغير عادل.
على
سطح السفينة، كان الطاقم يتأهب لعاصفة من الأمواج الغليظة، يحاول البحر ابتلاعهم
بأية طريقة. المياه في كل مكان، كانت الفوضى عارمة بلا شك. يركض الشاب ليُنزل
الشراع ثم بسرعة البرق رمى الوزن الذي يبقي السفينة ثابته في البحر، كانت السفينة
تتململ في اتجاه والأمواج تلطمها من اتجاه آخر. يبدو البحر غاضبًا.
في وسط الفوضى، يُسمع صوت القبطان وهو يُلقي
الاوامر، كم هو سهل التحدث والمراقبة، بدا الطاقم وكأنه قد فقد عقله وهو يُحاول
السيطرة على السفينة وإبقاءها طافية على الماء، ولكن يقول لهم القبطان: في هذه
المواقف، نتعلم، أن لا سلطة علينا على البحر. فنحن نقطة في امتداده، في هذه
الأوقات علينا فقط أن نواكب الموج وندع البحر يحملنا أينما شاء.
أمر القبطان الشاب بإعادة الوزن من البحر. ثم
اتخذ كل رجال السفينة مواقعهم ولكن دون تحركات. كانت لحظة عنيفة من الصمت وصفعات
الموج على وجوههم. لا مقاومة بعد الآن أيها البحر. لنصل إلى اتفاق، أنت تبتلع
ونحنُ نسبح. احملنا كالسمك في جوفك.
كان سخط البحر لدقائق، ولكن في الواقع لم يدر
أحد من الركّاب كم لبثوا في وجه عتوّ الموج. بدا لهم أنهم قد علقوا لساعات في تلك
الدقائق، وكأن الزمن قد توقف وأثقل عليهم الوقت والجهد. بعد أن سمح لهم البحر
بالمكوث عليه، هدأ كل شيء، وكانه كان كابوسًا، ظل الجميع في مواقعهم، لم يتحرك
أحد.لربما كان تقديرًا للبحر بعد أن كابدوا مشقة مقاومة سلطانه.
عادت الشمس تُحدق في البحر وسفينته، واتفق
الجميع على ملكية البحر لكل شيء يقع عليه، فهي سفينته لأنه هو من يقودها ويحتضنها
على سطحه وهو من يحدد سلوكها. بعد الهدوء الذي لحق المعركة الثانية، تثقل خطى
القبطان نحو طاقم السفينة وهو يصرخ طالبًا للتجمع والانتباه.
أيها الطاقم
لقد جئتكم شاكيا من إهمال بعضكم
وشاكرًا لصنيع قلّتكم الذين استطاعوا التنقيب
عن المشكلة التي صعُبت ملاحظتها ولكن يبدو ان أثرها علينا عظيم.
لقد وُجد ثقب
ثقب صغير ولكنه عميق
ثقب في جدارٍ من حديد
ثقب كفجوة قلب قد طُعن بحدة واستهلك بخفة..
وقد قضى البحر أن يباغتنا منه
وقد غرق قاع السفينة دون أن نلاحظ
غرق في الأسفل ونحن نتنفس بهناء في علو
رأى الظلام ونحن منشغلون بذواتنا في نور
غيرنا
لم نأبه بالحاصل في العالم الموازي ولكن مهما
يحدث هُناك؛ فهو قادم إلينا لا محالة
أيها الطاقم
ساختصر عليكم الأمر
إن النهاية وشيكة والبحر مُبتلعنا شئنا أم
ابينا
ولكن قد ننجو منه اذا قضينا على احدنا
فمن ثقل وزنة وقلّ عمله فليرحل عنا
لكم حتى نهار الغد للتضحيه
وبعده أنا سأقرر من نودّعه.
تعليقات
إرسال تعليق