بَحر -2-

 على هامش العالم وزاوية منه؛ وجَد نفسه نقطة في أحشاء المحيط، وحده بدمعه الثقيل يُكابد ظروف البحر الهادئ وأمواج حزنه المُتصاعد. في حالة هلع كان يسبح ولا يرى شيئا حوله، كانت السماء بالكاد مضيئة، بدا وكأنه قد صحا من الكرى وكابوس ثقيل قد رأى، همس في قرارة نفسه: أما يجب على النائم أن ينهض على سريره؟ مالي نهضت غريقًا مُبللًا؟. استوحش غربته في موطنه البحر وعاد بذاكرته حيث السفينه، استحال قِلة عمله فيها نظرًا لإمساكه بأهم مُوجّهات السفينة ومُدير توازنها، اذًا ماذا حدث؟

انتبه إلى الدم المتيبّس المُسال من رأسه وهطلت عليه لمحات من المشهد. حشدٌ مُحدّق، قطرات من العرق تهطل في ظهره، حديدة بارده تُصدم في رأسه، رائحة خشب رطب، وأنفاس حارة صامتة. أعاد المشهد مرة ثم مرتان وثلاث وأكثر. شاهده وكأنه برنامج مُتلفز، بوضوح وعاش ذات الأحداث طافيًا على الماء. كان يُدرك بأنه أُلقِي من على السفينه بُهتانًا مع كُل تكرار للمشهد، وفي كُل مرة يهزل قلبه ويقترب من التوقف، حتى تضربه موجه على صدره لتُعيده نَشِطا.

كم مَرّ من زمن؟ لم يعد يهتم حتى بالتخمين والحساب، فعندما تنتظر الموت لا وقت تمرّ فيه. سلّم أمره للموت ولكن البحر لا يتركه وشأنه، كلما غفا وقال هُنا اللحظة الأخيرة؛ هاج البحر وأرسل الأمواج لتُسعفه بإنعاش قلبي يُعيده لصحوه. بعد مُحاولات فاشلة من تسليم روحه للمحيط، علم أنه قد ظلم نفسه بالرحيل وترك جسده يُعاني في أعماق غيهب البحر. أخيرًا بدأ بالتحرك، صار يسبح وكأنه يُدرك وجهته، يرتشف من ماء البحر القليل فيندم فعلته. كان يسبح حتى تتوقف أطرافه عن الحركة ويتوسل إليه جسده، ينام قليلًا ثم تُعيده الأمواج إلى واقعه؛ ف يستمر بالمسير. يسبح ويُفكّر في نفسه؛ ماذا لو كنت أسبح بهذه القوة كلما أغرقتني الحياة بمطبّاتها؟ لِمَ سمحت لنفسي بالغرق في اليابسة في حين أني كنت قادرّا على السباحة حتى أخرج ناشِفا مصقولا؟

وبكذا استمر في السباحة وهو يتخيّل أنه يخوض في وجدانه التي سيخرج مِنها فور وصوله لليابسة. محطات التوقف هي عندما يشل جسده عن الحركة ويُنهي خدمته، هُنا لا بأس بالتوقف لاسترداد الطاقة والغفو قليلًا.

______________________________

 

صوت قرع على سطح السفينة وشجار مكتوم وراء جدار حجرته، أنهى صلاته وخرج مُسرعًا للتفقد. وجد فوضى عارمة في مقدمة السفينة إستدلّ سببها. رأى مُراهقا فارع الطول وعريض البنية يُجر الى الحافة باكيا مُتوسّلا إلى حل آخر، كان مُتدرّبا يُتابع سير الرحلة ليكتب تقريرًا عنها بعد أن ترسو السفينة في الميناء. لطالما تجاهل الشاب الضوضاء من حوله ولكن حالة المتدرب كانت يُرثى لها. تخيل حاله في مكانه وتوسّلاته لأبسط حقوقه وهو الحق بالعيش. أليس هذا مماثلا للحرب عندما يقتل الجندي طفلا لأنه أُمر بذلك؟ ألا يُشبه القبطان الدخيل الذي يُقرر عن الأبرياء مدى أحقّيتهم بالعيش؟ لطالما دافع عن هذه القضايا فما الفائدة إن كان سيقف مُتفرّجًا الآن!

هرع إلى القبطان الذي كان يُتابع بدقة شروع الحشد لإلقاء المُتدرّب، استخبر منه فكرة الاتصال بالمركز وإخطارهم بالمشكلة؛ ليتفاجأ امتناع القبطان عن ذلك بسبب جائزة سيدني لعبور المحيط الهادئ وأخذ عينات من رواسب الصلصال الأحمر منه[1]. استشاط حنقًا من السبب السخيف الذي سيودي بأحد ركابه إلى الهلاك. ألا يعد موت أحد الركاب فشل ام أن العالم قد تخلى عن بشريته باسم العلم والنجاح! العلم جهل عندما يُستخدم عقل واحد دون غيره. ألا يقول القرآن (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها..) –سورة الحج الآية 46. اذا جهل القلب سقطت فائدة العلم.

 جاهد نفسه أن يصل للميناء دون نقص في العدد، هرع الى غرفة التحكم والاتصالات وأغلق قفل الباب في وجه القبطان وهو يُحاول جاهدًا فتح الباب مع التهديد بتنكيله. ارتسمت ملامح الجزع في الشاب ولكنه قد اتخذ قراره ولا بد من العمل به. وجد نفسه ضائعًا أمام جحفل من الأزرار واللوائح ومن جانب آخر هالِعًا من محاولات القبطان في كسر الباب. حاول تصويب تركيزه الذي كان يفقده مع كل ركلة وتهديد من القبطان، بعد مدة شرع القبطان لسطح السفينه وبدأ يصرخ في الركاب بأمر تأجيل رمي المتدرّب، كان الشاب في تلك الاثناء قد وجد زر الاتصال وبدأ بالبحث عن القناة المناسبة لالتقاط الارسال، خلال ذلك، تجمهر عدد غفير يتقدمهم القبطان أمام الباب. وفي حركة غير متوقعة بدأ الحشد ينهالون على الباب بضربة رجل واحد؛ كُل ركلة تصيبه يشعر بها في صدره المتصاعد من الخوف. وأخيرًا حدث الأمران في وقت واحد، يُكسر الباب ويُستجاب للاتصال. في حالة ممتزجة بين هلع وغضب؛ يُصمت القبطان الضجيج ويشير للحشد بالتفرق والابتعاد عن الحجرة ليُقصي الهاتف من على يد الشاب ويُحادث به مركز الميناء في سيدني، "نعم سيدي، كل شيء جيد هُنا فقط أردتُ اعلامك باحداثيات الموقع للتأكيد أن كل شيء على مايُرام"، استمر بمُحادثته بعبارات تأكيدية ومُطمئنة ثم أغلق الهاتف وعاد لشروره الموجه ناحية الشاب.

"اسمع يا فتى، قد كنت خير عامل في السفينة ولكن يتعيّن علي عقابك أشد العقاب لمُحاولتك اخماد أملنا في الفوز بالجائزة"

"لست آسفًا سيدي، ورؤيتك ضعيفًا ومخلوعا من الانسانية هكذا لجائزة تافهة يجعلني أشد رغبة لاخماد فوزك الخاسر هذا"

"جائزة تافهة؟ أتدرك معنى أن نحصل عليها ونُشارك في أكبر عملية انقاذ للبشرية واكتشاف مخلص لنفاياتنا اللامتناهية؟ سأحصل بدوري على وسام يُمكنني من ادارة الرحلات الملكية، أنت لا تعرف ما الذي تتحدث عنه!"

"أنت الذي لا تعرف، أحدّثك عن تضحيتك بروح انسان للفوز بجماد والمشاركة في شيء لن تُساهم فيه سوى اسمًا على الأرجح. مالذي يرقد في صدرك؟"

"طفح الكيل أيها الشاب، الانسان الذي سأضحي به سيكون أنت. تُجبرني على التخلي عن أهم راكب لدي، ولكن بإلقاءك سنحصل على ضمان كبير بعدم افصاح احد من الركاب عن المشكلة"

انتفض الشاب من كلام القبطان الأخير ولكنه لا زال منكرًا حقيقة التضحية بحياة مُقابل جائزة لا نبض لها، نادى القبطان اثنان من الركاب لتكبيل الشاب وحمله الى سطح السفينة مكان المتدرّب.



[1] مِن اكثر المشكلات إلحاحًا منذ أواخر الثمانينيات مسألة التخلص من النفايات المشعة. يجري البحث حاليًا للعثور على موقع في أعماق المحيط. ثبُت أن رواسب الصلصال الأحمر التي توجد في أعماق المحيطات تشكّل حاجزًا قويًا لأية مواد اشعاعية متسربة. (من كتاب علم الأحياء البحرية؛ تأليف جون جونير وترجمة د.عبدالكريم الخفاقي)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هيروين

الحقيقة

بَحر