بَحر -3-
يلمع البحر بزرقة فاتحة، شكّل لونه تناغمًا بديعًا مع عين الشاب التي امتصّت لون البن العربي، بُن قديم كالعرب الحزين الباهت. كان يقرص عينيه نحو الأفق شاخصًا بصره على مُجسم صغير يكاد يكون خفيًا لبُعده، سبح إليه وهو يتاكد مع كل تقدّم أنها عوامة اسطوانية. حرص على عدم استباق الأمور حتى يصل إليها ويتاكد منها حقا وعندما رسا عليها وتيقن من مادّيتها بيده المُرتجفة، استطاع أخيرًا أخذ نفس عميق وسمح لنفسه بالابتسام. تُترك العوامات البحرية لتُستخدم في ملاحة السفن وتُملأ بالغاز حتى يساعدها على الطفو، يوجد منها العوامات الثابته التي تُربط بسلاسل في قاع البحر واحيانًا تُستخدم السلاسل لتعليم الحدود بين الدول في البحر، ويوجد منها الغير الثابته والتي تُترك طافية دون سلاسل وهذه تستخدم في حالات طلب النجدة؛ حيث ترسل العوامات إشارات للإنقاذ. رَكب الشاب عليها وسَجد جبينه لمُدبّر الأحداث، شكر ربه على خروجه من الماء حتى ولو كان ذلك بشكل مؤقت أم في منطقة لا تتجاوز امتداد رجليه. تذكّر الصناديق التي توجد داخل كل واحدة من العوامات، قام بفتحه وقد وجد أربعة علب من الطعام المعلب وأربعة قوارير ماء بالاضافة إلى مصباح وفتّاحة عُلَب. نزل إلى الماء مرة أخرى وغطس مُتحَسّسًا وُجودَ سِلسة غليظة أسفل العوامة، وبهذا ندب حظه وعَلم عجز العوامة عن ارسال أي نوع من الانذارات الطارئة. تجرّد من أسماله وسمح للشمس أن تكشف جسده العاري وتجففه من البلل، داعبت خيوط الضوء المتسللة بين السحب بشرته برِقة دعَته إلى النعاس.
أكمل سيل الذكريات الذي سلّط الضوء على لحظة
إلقاءه، كان بداخله نبض أمل خافت باعتراض رفاقه القرار ولكن لسوء المُنقلب فقد
نفّذوا أوامر القبطان فساقوه إلى حافة السفينة. قاوم قبضتهم بكل قواه ولكنهم كانوا
أكثر عددًا. لم يتوقف عن الركل والاستنجاد الغير مُجدي، حتى المتدرّب كان ينظر
إليه وهو يُساق إلى حتفه، كل أحد جامد سِواه. حتى أمر القبطان بإفقاده الوعي لتسيهل
العملية. أحضر أحد الرفاق بنظرة نادمة ويد مرتعشة أنبوبًا حديديًا، تردد في بادِئ
الأمر حتى صرخ القبطان ليُعيده إلى جدية الوضع، أسقط الأنبوب الصّدئ على رأسه ولم
يسمع شيئًا بعد ذلك سِوى أنين خافت ينبع من جوفه. تارة يعلو وتارة يخبو. بدا الصوت
يشكو من سراب صاحبه، فانتقل إلى حيث الصوت وانفصل عن سطح السفينة.
______________________
على العوامة، أفصح لنفسه مُخاطِبًا جليسه: بللني الدمع أكثر منك يا بحر، لَم أخشى ثورانك قَط؛ فهيجان مشاعري أشد من سطوة أمواجك. ولا تستطيع اغراقي فقد غرقتُ في ذاتي منذ زمن، وغدَر بي الرفاق منذ زمن. قُل لي أين الرفاق؟ فقد غلبني الشقاق. وأين السحب حتى تمنع عني الأوار؟ حتى الهدوء رحل وترك لي صخب قلبٍ قد مزّقه الفراق. قُل لي؛ أأنت باقٍ أم ستغيب كما تخلّ عني الرفاق؟
تعليقات
إرسال تعليق