بَحر - الجزء الأخير-

 مَكَثَ على العوامة شُروقَين مُنذ صُعوده عليها، خلال تلك الفترة كان يقوم بِتغذية جسده وإشباع عقله بالتفكير في حل يُخرجه من هذه الورطة. ارتأى أن ينتظر عبّارات تجارية قد تمُر قاصِدة جزيرة نيوزلندا أم قارة أمريكا الجنوبية. افترضَ أنه أقرب إلى نيوزيلاندا مِن أمريكا الجنوبية وعَزم التحرك بعد شُروقين آخرين حين ينفد الطعام ويثبُت من احتمالية عدم مُرور أي عبارات لإنقاذه، حيث أنه سيتّجه غَربًا حامِلًا معه عُلبَتين يستهلكهما خلال الليل وَقت استراحته لجهله الاتجاه ولِعدم اثارة انتباه أي حيوانات مفترسة قد يواجهها في ظُلمة البحر. كان يَقتصد في طعامه ويأكل كُل نهارٍ نصف علبة من الطعام ونصف علبة من الماء، ليَبقى لديه ما يقتات عليه عند سفره المُخطط بعد شُروقين. بعد ذلك؛ يفرط في تفكير بكل السيناريوهات التي يهابها عندما يعود للبحر، يتبعه نومٌ طويل مُرهق حتى نهار يوم تالي. في تلك الأثناء لم يلمس الماء وكانه قد جعل منه عدوّا يحرق البدن من قطرة واحدة، نما لديه خوفًا مؤقتا منه وعقدة لن تنتهي سِوى بإجبار نفسه على النزول إليه بعد يوم من الآن. صار يُعد نفسه كل نهار للحظة عودته إلى اليَمّ. كم تمنى أن يبتلعه حوت كيونس ام يسبح به البحر إلى بر الأمان كموسى. ولكن الآن قد حانَ وقت نُزوله، انه الشروق الخاِمس. ود لو لم ينهض وماتَ نائمًا ولكن لا بُد من التحرّك واستنزاف الطاقة المتبقية حتى آخر رمق، ومن يدري لرُبما يشحنه البحر بلطماته الخارقة ويخلق له رمقًا آخر يُكمل به سعيه. قفز إلى اليم دون رغبة في التفكير والتردد، تذكَر الضيق الثقيل الذي تجمهر على صدره مرة أخرى، بدأ يسبح أيضًا دون أن يُمهل نفسه وقتا لليأس والخوف.

في حضرة البحر كان نكرة لا أصل لها، مجرد ذرة تسبح في فضاء لا يحق لها. يتساءل استمرارية وجوده على موطن ليس له، لِم لَم يُدركه القرش ويمزقه أشلاءً ليُصبح عشاء لكل مَن مرَ حذائه! الأسماك أحق به مِن نفسه. لم يكن يُبالي بالقروش، وكانه قد قبل كونه طعما فور دخوله الماء، لذا لم يعد يهتم. سأسبح حتى أموت أم أحيا. لا يفرق شيء هُنا كما كان يفرق في اليابسة. بدأ الضوء ينقشِع فتوقف عن المسير. أخرج العلبة الأولى وبدأ بفتحها بيد مرتجفة عاجزه، كان يأخذ استراحة حتى عند فتحه العلبة، لم يعُد يحتمل ولكنه يدفع نفسه لدرجة البكاء. بلغ ضعفًا يعترف به ويعجز عن اخفاءه، ولكن عليه ان يقاوم لأنه سيموت بخِزي. يأكل نصيبه كاملا ولا يقتصد ثم يشرب الماء ويتخلص من حِمله الأول. يبتغي النوم ولكن لم يجد طريقًا إليه، حدّق في النجوم سامِحا لذاته ان تنساق خلف بريقها البديع، ينجذب المرء إلى نقيضه، لطالما تيقّن بوجود كيان مظلم يعيش في داخله، يحمل وجهًا مُظلما له سعي مؤلم. لم يكن يشتكي منه لانه لم يطق الكلام. كان يكتفي بتجاهله سامحًا له المكوث في داخله وتعطيل سعيه على أرضه. كان يراقبه وهو يستنزفه ببطئ وينتظر مروره المدمّر. تميّز عدوه بحضوره المفاجئ الثقيل ورحيله المُضني البطيء، يستأنف رحلته بين الفينة والأخرى ف لا يترك مجالًا له لإعادة تعبئته طاقته وتحمّله، لذا كان يرفض اعتياد رحيله حتى لا ينهار بعودته المُفاجئة. اعتاد ان يُغلق عن نفسه من كل جانب ويترك ذهنا مُشرّعًا لكل ما يشغله عن إعمال قلبه الذي يستهلك الكثير منه. اغلق الزر حتى لا يتألم اكثر ويُؤذي مَن حوله. فكّر كيف انه قد طوّر من كيانه المُظلم دون أن يدري، علم انه اذا مات فعدوّه ذاك مَن سيقتله وليس شيئًا آخر. لذا نما وألقى عليه شعور العفن، شعور الرخص والموت. جعله يُدرك كم ان جسده ثقيل رغم نحالته، ثقيل على روحه التي يتجاهل تذمّرها المُستمر منه.

 

تلاطمت الامواج ربما لتنقِذه من فكره المُهلك، اذ ينظر حوله ويستشعر ثوران البحر. الهيجان ليس كالسابق، تتابع الموج بات مخيفًا حَثيثًا. لِوهلة يختفي الضوء من السماء وتقضي السحب على كل ما يلمع فيها. أدرك خطورة الوضع عندما لاحظ تسارع الرياح المتنامي، لذا تزامن معها وصار يسبح مع اتجاهها. دبّ الهلع في جوارحه ولِمفاجئته بدأ يبكي لا شعوريًا، تنهمر الدموع ويمسحها البحر بمِلحه مع لطمة قوية تُغرقه ثم ترفعه مرة اخرى. خلّصَه البحر من كِبرياءه، فعندما تمنى الموت وجد نفسه يُقاتل من اجل بقاءه في المجهول. يُطارد انفاسه المتذبذبة ويُطارده البحر بدوره مرسِله إلى اعماقه في رحلة قصيرة. صوتُ امه يصرخُ في أذنه "ابني، انه ابني، احضروه إليّ"، يخرجُ من الماء بغتة باحِثًا مُنادِيًا لها. يبكي فتبكي السماءُ معه وتزيدُ من هيجان البحر. يُغلفه الماء مرة ويسمع صوت أمه مرة اخرى، ثم يخرج ليُعيد الكَرّة مُناديًا لها. أمه ماتت، أتُنادي عليه ليموت في رحم البحر ويولد في رحمها من جديد ام تصرخُ خوفًا عليه من الموت في اليم والغرق في سَواد أحشائه!؟ يتسائل بمرارة ويقطع حبل تساؤلاته شبح أبيه على سطح الماء، مُنير الوجه كالبدر والدموع تلتمع كزرقة البحر في ضوء النهار، لكنه كان يبكي ناطِقًا "ذاك ابني، انه ابني، احضروه إليّ". جاهَد الافلات من كل موجة تغرقه ليتمعّن شبح أبيه مُناديا له. أباه حيّ، أيُشير إليه ليتعرّف على جثته المتورّمة من الماء أم يُنادي عليه راجِيًا بقاءه على قيد الحياة!؟

 

أين أتّجه، أرني الطريق يا خالق البحار، أمي تُنادي وأبي يرجو. كيف كرهتُ حياتي عندما أحبها أبي وضحّت من أجلِها أمي، كيف صرت أقاتل من أجلها بعد ان كنت اتمنى فناءها. لا ازال متيقنًا مِن فراغي وزهدي بجسدي ولكني أقاتل من اجل أرواح ليست لي.

فليتوقف سعيي ولتنتهي معركتي، أعلمتُ البحر بتسليمي وأعلنته قبطانِا لباخرتي. فاستجاب لي وأغدقني بالمزيد منه، لمحت الأفق متلونًا بالقرمزي الداكن مُعلِنًا شروق يوم جديد، يوم لا أكون فيه. أطبقتُ جفني وانثال الماء على بدني.

وهكذا؛ تركت البحر يأخذني أينما شاء ويجذبني إليه. تركته يضمّني وانا من يُمقت الاحضان، ولكن في قبضة البحر شعرتُ بالمواساة. تركته يغمرني من كل جانب ويخنقني حتى أفقد الوعي. وأخيرًا؛ شهقتُ سامِحًا للماء أن يحتلّ جسدي ويقضي على العدو داخلي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هيروين

الحقيقة

بَحر