المشاركات

عرض المشاركات من سبتمبر, 2023

بَحر - الجزء الأخير-

  مَكَثَ على العوامة شُروقَين مُنذ صُعوده عليها، خلال تلك الفترة كان يقوم بِتغذية جسده وإشباع عقله بالتفكير في حل يُخرجه من هذه الورطة. ارتأى أن ينتظر عبّارات تجارية قد تمُر قاصِدة جزيرة نيوزلندا أم قارة أمريكا الجنوبية. افترضَ أنه أقرب إلى نيوزيلاندا مِن أمريكا الجنوبية وعَزم التحرك بعد شُروقين آخرين حين ينفد الطعام ويثبُت من احتمالية عدم مُرور أي عبارات لإنقاذه، حيث أنه سيتّجه غَربًا حامِلًا معه عُلبَتين يستهلكهما خلال الليل وَقت استراحته لجهله الاتجاه ولِعدم اثارة انتباه أي حيوانات مفترسة قد يواجهها في ظُلمة البحر. كان يَقتصد في طعامه ويأكل كُل نهارٍ نصف علبة من الطعام ونصف علبة من الماء، ليَبقى لديه ما يقتات عليه عند سفره المُخطط بعد شُروقين. بعد ذلك؛ يفرط في تفكير بكل السيناريوهات التي يهابها عندما يعود للبحر، يتبعه نومٌ طويل مُرهق حتى نهار يوم تالي. في تلك الأثناء لم يلمس الماء وكانه قد جعل منه عدوّا يحرق البدن من قطرة واحدة، نما لديه خوفًا مؤقتا منه وعقدة لن تنتهي سِوى بإجبار نفسه على النزول إليه بعد يوم من الآن. صار يُعد نفسه كل نهار للحظة عودته إلى اليَمّ. كم تمنى أن يبتلع...

بَحر -3-

  يلمع البحر بزرقة فاتحة، شكّل لونه تناغمًا بديعًا مع عين الشاب التي امتصّت لون البن العربي، بُن قديم كالعرب الحزين الباهت. كان يقرص عينيه نحو الأفق شاخصًا بصره على مُجسم صغير يكاد يكون خفيًا لبُعده، سبح إليه وهو يتاكد مع كل تقدّم أنها عوامة اسطوانية. حرص على عدم استباق الأمور حتى يصل إليها ويتاكد منها حقا وعندما رسا عليها وتيقن من مادّيتها بيده المُرتجفة، استطاع أخيرًا أخذ نفس عميق وسمح لنفسه بالابتسام. تُترك العوامات البحرية لتُستخدم في ملاحة السفن وتُملأ بالغاز حتى يساعدها على الطفو، يوجد منها العوامات الثابته التي تُربط بسلاسل في قاع البحر واحيانًا تُستخدم السلاسل لتعليم الحدود بين الدول في البحر، ويوجد منها الغير الثابته والتي تُترك طافية دون سلاسل وهذه تستخدم في حالات طلب النجدة؛ حيث ترسل العوامات إشارات للإنقاذ. رَكب الشاب عليها وسَجد جبينه لمُدبّر الأحداث، شكر ربه على خروجه من الماء حتى ولو كان ذلك بشكل مؤقت أم في منطقة لا تتجاوز امتداد رجليه. تذكّر الصناديق التي توجد داخل كل واحدة من العوامات، قام بفتحه وقد وجد أربعة علب من الطعام المعلب وأربعة قوارير ماء بالاضافة إلى مصبا...

بَحر -2-

  على هامش العالم وزاوية منه؛ وجَد نفسه نقطة في أحشاء المحيط، وحده بدمعه الثقيل يُكابد ظروف البحر الهادئ وأمواج حزنه المُتصاعد. في حالة هلع كان يسبح ولا يرى شيئا حوله، كانت السماء بالكاد مضيئة، بدا وكأنه قد صحا من الكرى وكابوس ثقيل قد رأى، همس في قرارة نفسه: أما يجب على النائم أن ينهض على سريره؟ مالي نهضت غريقًا مُبللًا؟. استوحش غربته في موطنه البحر وعاد بذاكرته حيث السفينه، استحال قِلة عمله فيها نظرًا لإمساكه بأهم مُوجّهات السفينة ومُدير توازنها، اذًا ماذا حدث؟ انتبه إلى الدم المتيبّس المُسال من رأسه وهطلت عليه لمحات من المشهد. حشدٌ مُحدّق، قطرات من العرق تهطل في ظهره، حديدة بارده تُصدم في رأسه، رائحة خشب رطب، وأنفاس حارة صامتة. أعاد المشهد مرة ثم مرتان وثلاث وأكثر. شاهده وكأنه برنامج مُتلفز، بوضوح وعاش ذات الأحداث طافيًا على الماء. كان يُدرك بأنه أُلقِي من على السفينه بُهتانًا مع كُل تكرار للمشهد، وفي كُل مرة يهزل قلبه ويقترب من التوقف، حتى تضربه موجه على صدره لتُعيده نَشِطا. كم مَرّ من زمن؟ لم يعد يهتم حتى بالتخمين والحساب، فعندما تنتظر الموت لا وقت تمرّ فيه. سلّم أمره للموت...

بَحر

صريرُ رياح يجد طريقه بعكس مسار سفينةٍ قد توسطت البحر، الليلُ يغشاها ويتوسد المحيط حولها، على سطحها أقام شاب صلاة الليل والناسُ نيام، الصمت قد ارتدى ركابها وصبّ القليل منه على البحرِ حالك السوادِ الذي يطفو عليه الجميع.  في الليل وفي البحر هُنا، الصمت يغلب كل صوت، والهدوء هو من يُسمع له فقط. كانت الريح وحدها من تتكلم، تقول: يا بحار تهيجي ويا ركاب اخشوني. كانت تصرخ ولكن وحده الموج من كان يسمع ويجيب. خشوع الشاب كان بحدة الرياح، وكانه قد تحدى العالم أن يُهبطه من سماء الرحمن، كان يشعر بجسده يطفو على السحب وليس الماء، كان يشعر بالفراغ وهو يتخذ من الجمادات شكلًا له. السفينه والبحر والثياب والطعام وكل شيء آخر حوله، كله فراغ عديم المعنى بالنسبة لقلبه الممتلئ بخشية الله. أنهى الصلاة ولكن لايزال قلبه متعلقّا بين السحب، نظر حوله وتأمل كف يده وهو مرفوع لله، ماذا أطلب يا اله، كيف أتكلم ولم يسمعني أحد من قبل، كيف أفرغ وجعي كله الآن بينما تجرعته لسنوات. اكتفى بتنهيدة آملًا أن تأخذ كل جوارحه معها وتعود في وقت لاحق مُشبعة بحُب الحياة.   بعد ساعات، ترتسم لوحة على السماء، والشمس تتهيأ لتعم ا...

حينما غفوت

  غفوت إلى أرضٍ يَباب حملتني واقِفًا مع حَشائشها الصفراء الطويلة. هواءٌ بارِدٌ شعرتُ بهِ يخترقُ وَجهي. كانت هُناك طائِرة قد صُنِعت مِن الضوء والسُّحب المُتراكِمة، قفزتُ نحوها دون تردد وحلّقَت بي إلى أوْج ما يُشبِه سقف بصيرتي. دَقات قلبي لها ضجيج أعلى مِن الرياح الثائرة ولكنني دثّرته بملاءة من روحي المُجازِفة، ثُم واسيته بِحقيقة إنكفاء واقِعه المَحتوم بعد الرحلة. لِذهني؛ كانَ العُلوّ منزلةً لطالما تاق إليها، فغدا معَ كُل درجة مجنونًا ومُشبَعًا بالنباهة المُضنِية. لِعيني؛ كان الخواءُ مُريحًا وناطِقًا بِشهوة التحليق في سماءِ هذه الأرضِ الوارِفة، كان بَريقُ عيني قَد حَلّقَ قبل جسدي الشريد. عِندَما قفزت؛ كُلّ الأحاسيس انثالت على جوارِحي وكأنها قد عادت مِن منفاها القَصيّ. أغاثَني صَحوها وألحّت عَلي بُلوغ أقاصيها، لِذا غِصتُ في السّماء التي جرّدَت روحي مِن أسمالِها. لامستُ سُحبها بِأنامِلي ورياحَها قد داعَبت خصلات شَعري. أطبَقتُ جَفني ورحتُ أُنصِتُ إلى صوت الحرية تُخاطبُني. استنشِقُ هواءُها ويخرقني نِداؤها. امتزجتث مَع السماء وصِرتُ مع السّحُبِ واحِدًا، فابتَسم قلبي وابتسمتُ معه. فتحتُ عي...